فكرت ان أكاتبك, و بصراحة فكرت أن أكاتب أشخاصا غيرك لكنني عدلت عن ذلك و بقي اختياري معلقا بين مكاتبتك و مكاتبتك. و رغم انني أبتغي عدة أجوبة لتساؤلات لا تفتئ تفارقني الا انني افضل أن ألقى منك الفهم و إن بلا أجوبة على أن ألقى أجوبة على أسئلة لم تفهم.
غريب هذا الامر إنها السنة الثالثة عشر على غيابك و اليوم فقط أكتشف انني أفهمك أكثر , كأنني الان فقط استطعت فك شفرات أودعتنيها . ضحكتك الهادئة و التي كثيرا ما عنت الاحتفال بالالم, فلم يكن هناك شيء اخر ليحتفل به, و نظرة عينيك و حديث صمتك. الان فقط بعد هذه السنوات أستطيع أن أسمع كلماتك التي لم تنطقها و ماكان يخفي هيجانك.
حسنا صديقي, ربما ليست هذه بداية جيدة لمراسلة بعد طول انقطاع, لكنها نقطة تقاطعنا الدائمة, الالم الدفين.
تمنيت لو أخط لك مخبرة عن جمال الأشياء و استمرار الحياة بعدك وعن افتقادي لمشاركتك في أفراحي. لكن لا شيء من ذلك صحيح فما أفتقده هو أن تشاركني الان فيما يجعلني أفضل مراسلة الماضي بدل الحاضر أو المستقبل.
كثبرا ما أريد أن أنفض عني كل ما يعلق بي من أفكار , ان ارتبها و أجملها لتبدوا لائقة للعرض, و لتنال الاعجاب, لكني أعجز دوما. أنا هي فوضاي و فوضى أفكاري. سبقتني الجمل إلى موضوع خططت أن أناقشه معك في رسالة قادمة, لكن كيف أفعل و لتوي أحدثك عن الفوضى.
سأبدأ بقولة لصديقك ج ج روسو أعجبتني كثيرا
Que la trompette du jugement dernier sonne quand elle voudra, je viendrai, ce livre à la main, me présenter devant le souverain juge. Je dirai hautement: Voilà ce que j'ai fait, ce que j'ai pensé, ce que je fus. J'ai dit le bien et le mal avec la même franchise. […] Je me suis montré tel que je fus: méprisable et vil quand je l'ai été; bon, généreux, sublime, quand je l'ai été: j'ai dévoilé mon intérieur tel que tu l'as vu toi-même. […] qu'ils écoutent mes confessions, qu'ils gémissent de mes indignités, qu'ils rougissent de mes misères. Que chacun d'eux découvre à son tour son coeur au pied de ton trône avec la même sincérité, et puis qu'un seul te dise, s'il l'ose: je fus meilleur que cet homme-là.
جملة قرأتها مرات عدة و في كل مرة أكتشف فيها موضوعا جديدا و تساؤلات لا أعلم الاجابة عليها. أسئلة تؤرقني كأنها من مطاط تستسيغ ان تتلائم مع عدة قياسات.
oilà ce que j'ai fait, ce que j'ai pensé, ce que je fus. ليته صديقي كان من السهل ان ينطق الإنسان بهذه الجملة البسيطة العميقة وقتما شاء و كيفما يشاء. فهمت بعد هذه السنوات أنه كلفك الكثير أن تقول " هذا ما فعلت , هذا ما فكرت و هذا ما أنا عليه". و برغم ان التفكير عملية فردية لا تستوجب بالضرورة حضورا أو موافقة من طرف الاخر, فإنه ليس الانسان دائما حرا ان يفكر فيما يريد كيفما يريد, و أن يتصور الاشياء و الاحداث وفقا لمنظوره الشخصي و لتحليله الخاص. الاخر دائما يتدخل في فكرتك و قد يمنعك كذلك منها, اذا اعتبرنا أن التعبير عن الفكرة مرحلة اخيرة من عملية التفكير. و هكذا صديقي تصبح الجملة البسيطة غير بسيطة أبدا, و يصبح الاخر بشكل او باخر يطبق حجرا فكريا عليك. و لا أشك مطلقا أنه يوجد حجر أسؤا من ذلك.
أرجع بذاكرتي للوراء قليلا و أندهش من غبائي و كيف لم أفهم حينها تمردك و ثوراتك , و إن كانت مؤقتة إلا أنها كانت الوسيلة الوحيدة لتخرج بسيل أفكارك الى الوجود. كان ذلك ذكاء او ربما قلة حيلة منك أن تجعل الجنون عذرا لتلغي الاخر شرعيا و لتمهد طريقا كاملا لإنجاب أفكارك. أفكار خرجت في صراخ و ألم معا أجل , لكنها تفوقت على المعتاد و رفضت ان تجهض...
هنا عزيزي أعود بك إلى فوضى أفكاري,
كيف اني لا أحبذ تجميلها إكراما لإحد, فأنا أشكل فردا متفردا جسدا و روحا و فكرا. لا أريد الخوض في الانا لكني أحب أن أناقشك قليلا في الفرد. هذا الذي يحق له ان يفكر باختلاف مع الاخر دون حجر ودون نمطية في التفكير وليكون أيضا مقبولا من الاخر بأفكاره المختلفة. و في نفس الوقت يكون على حق هو و الاخر.. الفرد او الوحدة إذا جاز ان اعبر عنه كذلك الذي تشكل مجموعة منها مجتمعا. له عادات المشتركة , تاريخ مشترك, و أهداف و أساليب عيش مشتركة. لكن الوحدة (الفرد-النواة) هي عبارة عن كائن بعدة متغيرات مما يعني تفرده في المضمون و في الشكل تفصيلا و إن كان متشابها إجمالا. بخلاف الوحدة المستعملة للقياس مثلا, فهي وحدات متشابهة جملة و تفصيلا. وحدة أصلية و لها عدة نسخ. أما الفرد فليس بالضرورة مطابق لبقية الافراد المكونة للمجتمع فهو له تفكيره الخاص و له رؤاه الخاصة و يحق له بحدود تحترم تفرده و شخصه الواحد. يحق له بخصوصية يستمتع فيها بإهتماماته و مؤثثة بتفاهاته و أشياءه القيمة "مع الاشارة إلى مدى تقييم كل فرد للقيم و التافه". إعطاء الفرد مساحة لتفكيره الخاص يمنحه نوعا من الارتياح و الاتزان النفسي الذي و لا شك يؤثر عليه إيجابيا كوحدة مكونة للمجتمع, و إنتقاده على فعل أو تفكير كفرد فاعل مجتمعيا هو نوعا ما مقبول نظرا لتـأثر باقي الوحدات الاخرى المكملة لنسيج المجتمع ,لكن إنتقاده على فكر او فعل كفرد متفرد حر في حيزه و مساحته هو إختراق لشخصه و من شأنه دفع خلية المجتمع إلى التفتت كحبة فاكهة تنخرها الديدان من الداخل.
صديقي ربما أعود البك في رسالة أخرى بتساؤلا ت أكثر. الشئ الوحيد الذي يأخذني منك هو النوم الان..و إن كان هو أيضا يمل مني سريعا فيوقظني ليرجعني إليك.
كيف تسألني عيناك عن عنوان الجريدة في منفى عنوانه النسخة الواحدة من عيونك ومن مقالاتي .. تسألني عيناك متى موعد المطر و أين تنام الشمس تنأى عن الحب بالبريق فتحجب عنك السماء سمفونية السحب حين تعزف لحن الغيوم و حين تغرق الدائرة حبا في الاصيل... .. تسألني عيناك عن رقصة زوربا ان كانت أجمل من الخراب كيف اجيب و أنا لم أخلع بعد عني طوقك الذي يدوزن هز خصري و قدمي لم تطأ بعد ثبات اليقين. .. كيف تسألني عيناك عن ألوان السماء و أنا مازلت مضمخة بك اسبح فيك منذ أعلنت الالوان قصورها و البحر رحيله.
لن أسيج بساتيني بأشواك عالمكم المصغر و لن أتوارى خلف رغبة الاسم المظفر سأربط خلاخلي وأفتل ظفائري سأغرس في وهج الشمس أظافري و أعلن انني أنثى أحلم أكثر و حبي أكبر و سمائي لا يحدها غير اكليل التتويج المعطر.
الصباحات في الجنة لا تنتهي حتى ينتهي الاطفال من اللعب بكل اللغات حتى تعجن الام خبزا لكل الصغار و لا تضطر الى الخفوت مع خيوط الفجر الاولى عصايا الجنيات..
هـكذا دائما تـراه, مـرة في الصباح و مـرة في المساء. خـطوات مـتثـاقلة, و تـحية مـقـتـضبة. لم تستـطع رغم ثـقـتها في ذكــائها وقـوة ملاحظتها ان تميـز ان كانت تحيته مجرد إلتـفاتة يمليها عليه الواجب, ام انـه يقصد حقـا تلك الابتـسامة التي ترافق تحيـته.
هو الصمت في حد ذاته, و إن كان للصمت أحيانا معنى و حديث. صمته هو غريب و محير, صمت يخترقه الصمت.
أكيد هـو يحمل داخله شـيئا أكبر و أجمل من أن يـزين به تـشابك الحروف أو أن يختزله في بضع كلمات. هكذا تعـتقد , او هكذا على الاقل تمني نفسها.
حاولت أكثر من مرة أن تـعطي العيون فرصة الحـديث نيابة عن كليهما , أملت ان يسعـفه بريق عـينيه في التحرش بها , ان يدعوها الى رقصة تغازل نور القمر. أن يحدثها بصوت خافت عن اشتياقه اليها, عن تلاشي الوانه في غيابها , و عن رغبة تعصف به ان تلتحم روحها بعظامه …
إعتدلت و عادت إلى صخب واقعها , وبشئ من الحسرة فـطنـت أنها لا تستطيع حـتى التحدث مع
عينيه , فهو غالبا ما يشيح عنها بنظره و يتلافى أن تلتقي عينيها بعينيه.
…كيف لا يستطيع أن يسمع صمتها يتحدث, و كيف تخونها يداها التي تسبقها إليه بكأس ماء إن إستشعر حلقها عطشه ؟؟ أو بغطاء لتدفئه كلما أغمض عينيه .؟؟؟
ربما و ربما و ربما… ربما لم يسمع شيئا من ذلك .
قليلون هم من يستطيعون سماع حوار وسط الصمت , و أقل منهم من يستطيع سماع حوار صامت وسط ضوضاء الحديث.
Perhaps you are far, we dont see the face one another .Spaces, distances and years separate us, Yes . But . can all these reasons reduce our deep love towards each other. Can we forget those people living our hearts only because they are not seen. Absolutely not
وأناأنظر الى صورتكالموضوعة بعناية الى جانبي و التي تشاركني مساحة سريري الصغير, انتابني أكثر من شعور و راودتني أكثر من فكرة و ذكرى , و بدأت أحس أصابعي تتـأهب لتمارس طقوس شغفها,لحمل قـلم, فـلم أستطع ان أمنعها رغبتها و كبت جنونها . مددت يدي الى الأجـندة التي تشـاركني تـفـاصيـل يـوميـاتي و في نيتـي أن اسكنهـا بعضا من ثـقـل ما يملأني من كلمات , فجأة سقطت منهاصورةقديمة لي و كأنها تعمدت ان أنتبـه اليها , كأنها أرادتني أن أنظر الي و أستعيد وعيي هذا الذي أضعه و يضعني جانبا كلما نظرت اليك , أمتراها شعرت بالـغيرة من عـينـيـك التي يجمعني بها في صمت اكثـر من حوار و أكثر ممايمكن أن تبوح بهشفتان.
استرعى انتباهي فجأةأن كلانـا في الصورتيـن نرتـدي نظـارة لم أعـر اهتماما من قبـل لمثـل هـذهالـتفـاصـيـل لكـنـهـا استـوقفـتـني الان كأنني أراك لأول مرة و بـدأت أسترجـع الحوارالذي جمعنا في اخر لقاء عندما سألتـك مازحة :
* لماذا نرتـدي نظارات ؟ ماذا يغرينا بالمشاهدة في زمن لم نعد نرى فيه الا ما يفجع و يوجعنا بأدق تفاصيله ؟ لم لا نكتفي برؤية ضبابية تخفف من وقع الحقائق؟
* لكي ننظر للأشياء كما هي عـلى حقيقـتـها ,بوضـوح أكثر و بواقعية أكـثـر أجبتـني.
ثم أضفت :
* لكن ان شئت نقـلعها عندما نكون وحدنا فقط أنـا و أنت , يتلاشى الضباب كلـما إلتـقـت عيناي بعينيك و يحيلني ملمس بشرتـك الى عالم يكون فيه النظر حاسة من الدرجة الثانية.
لم ادرك حينها أن الواقعية التي تتـحدث عنها و تقصدهاهي ان نجرد أنفسنا من بضعة أحلام هي كل ما استطعنا بناءه , و نشيعها في مراسيم دفن لائقة بعد ان نطبععنقها بقبلة نحملهاما يسكننا من أماني . لم أدرك أن واقعيتك ستجعل مني لاجئة إلـى متاهات الكلماتفهي فيالنهاية كل ما يمكن أن يخلد حكايتنا معا.
ربما كنت تعلم قبلا أنك سوف تهجرني في أوج تعلـقي بك لذلك أهديتـني صورتك, حملتها بين يدي و بدأت أتأملها كأننـي اراك لأول مرة . كيف أمكنك أن تكون أكثر من شخص واحد في صورة واحدة ؟
كنت أرى يوم أهديتنيهاابتسامة تعلوا محياك , ابتسامة دافئة و هادئة كأنك عاشقأبدي لا يعكر صفو عشقك شيء . يداك كانت مرفوعة في الهواء كراقص يغني و خطواته على إيـقـاع لحن جميل و عـنـقـك ممتد كأنه ينتظرذراعا أن تلفه أن تمنحه حق اللجوء و الإنتماء بعدما أضناه البحث عن راحة يسكنها و سكن يرتاحإليه.تخيلتني حينها أشاركك رقـصتـك و ألف عنقك بذراعي لأجعل مني راحتك و مسكنك. كانت لـتـكون رقصة رائعةلثنائييشتعل شوقا و حبا مـثـلنا حتى أجسادناكانت لتبارك الرقصة, كل شئ فينا متناسق و مناسب بعضه لبعض,قامتي النحيلة الطويلة و التي لا ينهيها سوى حنو كتفيك و حاجز ذقـنـك, وكذا شعري الاسود الذي يغطي ذراعيك التي زينتني بها و جعلتها سوارا يطوقني.
كـنت أشم في صورتـك عـبق الورودكوكتيل من الجوري و الليلك ووريـقـات الياسمين , وكنت أحس بنعومة نسيم ربيعي يداعب
وجنتي و شفتي و يسافر بي إلى مدينة من الورود , إليك.
رجعت إلى الصورة من جديد و توقفت عند عينيك , ليست نفس العيون !لماذا البريق الذي يشع منها الان مختلف ؟ لماذاهذه الدمعة تسكنها حبيسة أكثر من سيـاج و زجـاج كأنها حـبيسة ذكرى زمن جميل كان فيه للبريق معنى اخر وللورود مكان. لماذا أشعر الان أن ذراعيك ليست قوية كفاية لتلـفـنيو لتغرسني بصدرك , و قـامتـك أقصر من أن تـرسم و قامتي لوحةتحتفل بتناغم راقصين؟لم ألحظ قبل أيضاتواقيـع السنون على جبينك الذي أصبح أكثر إ نقباضاأو لعلني رأيتها غير أنها كانت تمنحك جاذبية و جمالا أكثر حينها.
بـدأت أشـك أنهـذه الصورة و تـلك التي رأيـتـها قبلا هما نفس الصورةو أنكنفسالشخص. أظنني رأيتك في الصورة الأولى واقفاوسط غيمة من ضبابلكنني لا أراهاالان, هـممت أفـرك عـيني لأتــأكـد فارتـطـمـت أصابعيبزجاج نـظارتي فـتـذكــرت فورا أنني لم أكن أرتـديـها يوم أهديـتـني الصـورة.
كما هي عادتها دائماأمام حيرتها و تشتت أفكارها, انزوت الى ركن غرفتهاو بعصبية ادارت مفتاح المذ ياع العتيق و بدأت في خط رسالة تعرف سلفا أنها ستمزقها فور فراغها منها لكنها أصرتمع ذلك على كتابتها, يكفيها الشعور بازاحة ثقل كل الكلمات و الافكار التي تسكنها في هذ ه اللحظات. أخذ ت قلما أسود و بدأت في الكتابة ,
" احترت في هذا الامر , فكرت أكثر من مرة و قلبت الموضوع و درستهمن جميع النواحي, لكن ام أصل الى أي نتيجة, طوال هذه المدة لم أتأكد يوما مما تشعره أو ما تحسهتجاهي, طوال معرفتي بك كانت هناك قناة حوار دائمة لكن لا حوار.
أحاول نسيانك حرق كل رسائلك و تمزيق كل صورك , لكن ليس من عاداتي الهروب, لم اكون رأيا أستند اليه و أحدد فكرة ألخص فيها علاقتنا كي استطيع نسيانها و طيها بين ملفات الماضي. سوف يبقى هذ ا الموضوع المفتوح يطارد أفكاري سوف تبقى لماذا و كيف و ماذا تزورني كلما أحسست بوخز في قلبي. سوف تتبعثر و تتناثر الكلمات بين شفتي كلما وليت و جهي جهة الشرق, او كلما هبت نسمة باردة في صباح صيفي جميل, سوف تبقى هذه اللحظات تزورني باستمرار و تؤنس كل لحظاتي, لحظات أنت سيدها و بطلها, لحظات الوحدة.
متي تنتهي هذه الحكاية متى يغلق هذا الملف. و متى أفكر فيك و أنتهي بحفظ اسمك في رف الذكريات. متى أنظر خلفي و أقول كانمتى أ .....
قاطعتها نغمات و أبيات شعر للدكتور مانع سعيد العتيبة منبعثة من الراديو
فــمـاذا أقــول اذا مــا الـتــقـيـنــا *** احـبـك ؟ لا لا أجـيـد الــدجـــل
فــان هـواك مــضى و ا نـقــضى *** وعـن خـافـقـي من زمان رحل
علت وجهها ابتسامة ساخرة , و في صمت لا يخترقه سوى صوت الرسالة تمزق , تمتمت " يالسذاجتنا نحن النساء رغم مهارتنافي الكنس و نفض الغبار عن النوافذ و الاثاث الا اننا نعجز عن نفض ما يعلق دوما من غبار بالذاكرة ".